التخطى الى المحتوى الأساسى
  1. الأعمال/
  2. الظلال المشفّرة/

الفصل 2: القناة الميتة

23964 كلمة·48 دقيقة/دقائق قراءة

الفصل الثاني: القناة الميتة
#


جاءت في اليوم التالي.

طارق كان ينتظر في المكتب منذ الثامنة صباحاً. لم ينم الليلة الثانية أيضاً، أو نام ساعتين متقطعتين على الأريكة الصغيرة في زاوية المكتب التي يستخدمها ماريو أحياناً للقيلولة بعد الغداء. استيقظ ورقبته تؤلمه ورائحة القهوة المحروقة تملأ المكان لأنه نسي إطفاء الماكينة.

المكالمة الأرضية مع أحمد كانت قصيرة. تسع دقائق. بيروت بدت بعيدة بمسافة عقد كامل لا مسافة ثلاث ساعات طيران. أحمد لم يسأل تفاصيل. صوت طارق كان كافياً. قال فقط: “سأتواصل مع شخص. لا تتصل بي من هاتفك المحمول مرة أخرى بخصوص هذا الموضوع.” ثم أغلق.

ما لم يعرفه طارق وقتها هو أن أحمد اتصل بليان في نفس الليلة من زيورخ. ليس من هاتفه الشخصي بل من هاتف عمومي في محطة القطار المركزية، Hauptbahnhof، الساعة الحادية عشرة ليلاً. درجة الحرارة تحت الصفر والمحطة نصف فارغة والصدى يلتهم الكلمات قبل أن تصل إلى أذن أحد. ثلاث كلمات فقط: “صديق قديم. عاجل.” لم يذكر اسم طارق. لم يذكر طبيعة المشكلة. لم يذكر البلد. ليان لم تسأل. هي وأحمد كانت بينهما لغة مختصرة بُنيت عبر سنوات من العمل في بيئات لا يُقال فيها أكثر مما يجب. “عاجل” من فم أحمد تعني شيئاً مختلفاً تماماً عن “عاجل” في رسالة بريد إلكتروني عادية. تعني: شخص قد يموت إذا لم يتعلم. حجزت أول رحلة صباحية وكانت في مطار سيبيو قبل العاشرة، ومن هناك ساعة ونصف بسيارة مستأجرة عبر جبال فاغاراش حتى براشوف. الطريق بين الجبال ضيق ومتعرج ومكسو بطبقة رقيقة من الصقيع، لكنها قادت بتركيز ثابت كأنها تقود في خط مستقيم.

أحمد أخبرها بعنوان المكتب فقط. لا تفاصيل. لا أسماء. لا خلفية. كل ما تعرفه حين طرقت الباب هو أن صديقاً لأحمد يحتاج مساعدة، وأن أحمد لا يستخدم كلمة “عاجل” إلا حين يعنيها.

الساعة العاشرة والنصف، سمع طرقاً خفيفاً على الباب. فتح.

المرأة التي وقفت أمامه لم تكن ما توقعه. كان يتخيل شخصاً يشبه مهندسي الشبكات الذين رآهم في المؤتمرات: شاب بنظارات سميكة وقميص عليه شعار شركة تقنية. بدلاً من ذلك، رأى امرأة في أواخر الثلاثينيات ربما، بحجاب كحلي داكن مطوي بعناية، وعينين سوداوين هادئتين تفحصان المكان قبل أن تفحصه هو. حقيبة ظهر رمادية على كتفها وحقيبة حاسوب سوداء في يدها. ملابسها عملية: سترة داكنة وبنطال وحذاء مسطح مريح. لا مجوهرات. لا مكياج ظاهر. شخص صمّم مظهره ليكون غير ملفت تماماً.

“طارق؟” صوتها هادئ وواثق. لكنة لم يستطع تحديدها بدقة. ليست مصرية ولا شامية تماماً. شيء بينهما، مصقول بسنوات خارج العالم العربي. “أنا ليان. أحمد أرسلني.”

لم تقل “أحمد أخبرني عن مشكلتك.” لم تقل “أحمد شرح لي الوضع.” قالت “أرسلني.” فقط.

“تفضلي.”

دخلت ونظرت حولها بسرعة. ليست نظرة فضول بل نظرة تقييم: موقع النوافذ، الحواسيب المفتوحة، كابلات الشبكة، الهواتف على الطاولات. لاحظ أنها نظرت إلى كاميرا الحاسوب المحمول المفتوح على مكتب مونيكا، ثم إلى مأخذ الكهرباء بجانب الباب، ثم إلى السقف كأنها تبحث عن شيء محدد. ثم أغلقت الباب خلفها ووضعت حقيبتيها على الطاولة الفارغة.

“أين زملاؤك؟”

“مونيكا في إجازة هذا الأسبوع. ماريو يعمل من بوخارست اليوم.”

“جيد. أفضل أن نتحدث وحدنا.” جلست وفتحت حقيبتها. كل شيء في الداخل مرتب بدقة مذهلة: كابلات ملفوفة بأربطة صغيرة، أقراص USB في حافظة، دفتر ملاحظات صغير مربوط بمطاطة، وحاسوب محمول أسود بلا ملصقات. مدّت يدها نحو حاسوب مونيكا المفتوح وأغلقت غطاءه بهدوء. لم تشرح لماذا. ثم التفتت إليه.

“أحمد لم يخبرني بأي شيء عن وضعك. هذا مقصود. المعلومات التي تمر عبر أكثر من شخص تفقد شيئاً في كل محطة وتكتسب شيئاً آخر. أريد النسخة الأصلية.” نظرت إليه مباشرة. “لكن قبل أن تحكي لي أي شيء، أحتاج أن أعرف شيئاً واحداً أولاً.”

“ما هو؟”

“كيف كنت تتواصل مع مصادرك حتى الآن؟”

طارق تردد. “مكالمات هاتفية عادية غالباً. وWhatsApp للرسائل والملفات.”

ليان أغلقت عينيها لثانية واحدة. ليس إغماضة إحباط بل شيء أقرب لشخص يسمع تشخيصاً كان يتوقعه. ثم فتحتهما ونظرت إليه مباشرة.

“حسناً. احكِ لي كل شيء من البداية. ببطء.”

فحكى. عن الشحنات الست. عن ترانزيت يوروبا وبوغدان فاسيلي وأنطون لازار. عن المسار غير المنطقي من كونستانتسا عبر قبرص إلى جيبوتي ثم إلى لا شيء. عن مكالمة منذر. صوت مرتجف على خط هاتفي عادي. عن الطبيب حسام الذي حددوا موقعه عبر تثليث أبراج الإرسال وأرسلوا الإحداثيات لطائرة مسيّرة. عن الأطفال الأربعة. عن البنت التي كانت اسمها رنا. حين وصل إلى رنا، توقف صوته لحظة. ليس بكاء. فقط كلمات رفضت أن تخرج بنفس السرعة.

ثم أكمل. عن الجلسة المجهولة في بريده الإلكتروني. جلسة نشطة من عنوان IP لا يعرفه، بدأت بعد مكالمة منذر بساعات. عن أنه بحث عن أنطون لازار من متصفحه العادي بلا أي حماية. عن الخوف الذي لم يكن يعرف شكله حتى الليلة الماضية. ليس خوفاً على نفسه بل خوفاً أن يكون قد قتل منذر بمجرد أنه ردّ على الهاتف.

ليان استمعت بلا مقاطعة. لم تدوّن شيئاً. لم تحرّك ملامحها. فقط عينان سوداوان هادئتان تستوعبان كل كلمة كأنها تُفهرسها في نظام داخلي لا يراه أحد غيرها. عدّلت حجابها مرة واحدة أثناء كلامه عن منذر، بحركة شبه لا واعية. حين ذكر اسم رنا، رأى شيئاً يمرّ في عينيها. ليس دمعة ولا اضطراباً. شيء أعمق وأبرد. كأن الاسم وقع في مكان محدد في ذاكرتها، مكان يحتوي أسماء أخرى من نفس النوع. حين انتهى، صمتت عشر ثوانٍ كاملة. عشر ثوانٍ في غرفة صامتة أصلاً بدت كدقيقة.

ثم قالت: “لنبدأ من WhatsApp.”


أخرجت دفترها الصغير ورسمت خطاً أفقياً على الصفحة. كتبت فوقه: “ما يعتقده الناس” وتحته: “ما يحدث فعلاً.”

“WhatsApp يقول لك إن رسائلك مشفرة طرفاً لطرف. الشاشة تُظهر لك قفلاً صغيراً. تشعر بالأمان.” رسمت قفلاً صغيراً فوق الخط. “هذا صحيح جزئياً. محتوى الرسائل مشفر فعلاً ببروتوكول Signal بين هاتفك وهاتف الشخص الآخر. لو اعترض أحد الرسالة في الطريق، سيرى بيانات مشوّشة لا معنى لها.”

“إذاً ما المشكلة؟”

ليان رسمت تحت الخط قائمة طويلة.

“المشكلة أن المحتوى ليس كل شيء. WhatsApp يجمع كل شيء آخر.” بدأت تعدّ على أصابعها. “أولاً: جهات اتصالك بالكامل. حين تثبّت WhatsApp، يطلب إذن الوصول لدفتر عناوينك. معظم الناس يوافقون بلا تفكير. في تلك اللحظة، كل اسم وكل رقم في هاتفك يُرسل إلى خوادم Meta.”

“Meta؟”

“الشركة الأم. Facebook وInstagram وWhatsApp كلها تحت مظلة واحدة اسمها Meta Platforms. وهذا جزء جوهري من المشكلة، وليس مجرد تفصيل إداري.” عدّلت حجابها بحركة سريعة شبه لا واعية وهي تتكلم. “ثانياً: البيانات الوليان1. من تراسل، ومتى، وكم مرة، ومدة المكالمة، وحجم الملفات المُرسلة. لا تحتاج لقراءة محتوى المكالمة لتعرف أن شخصاً اتصل بصحفي الساعة التاسعة مساءً لمدة اثنتين وعشرين دقيقة.”

طارق أحسّ بوخزة باردة. اثنتان وعشرون دقيقة. نفس مدة مكالمة منذر.

ليان لاحظت تغيّر وجهه لكنها لم تعلّق. استمرت.

“ثالثاً: بيانات الجهاز. طراز الهاتف، نظام التشغيل، مستوى البطارية، قوة الإشارة، المنطقة الزمنية، اللغة. رابعاً: عنوان IP2 عند كل اتصال بخوادم WhatsApp، وهذا يكشف موقعك التقريبي ومزوّد الإنترنت. خامساً: معرّفات إعلانية تُشارَك مع Facebook وInstagram لبناء ملف تعريف إعلاني عنك.”

وضعت القلم على الطاولة.

“الآن فكّر في الصورة الكاملة. Meta تعرف من تراسل ومتى وكم مرة. تعرف أين أنت جغرافياً. تعرف أي هاتف تستخدم. تعرف من في جهات اتصالك حتى لو لم تراسلهم عبر WhatsApp. وتربط كل هذا بحسابات Facebook وInstagram إذا كانت على نفس الهاتف.” نظرت إليه مباشرة. “Meta تستجيب لطلبات بيانات من حكومات عشرات الدول سنوياً. تنشر تقارير الشفافية بنفسها. أي جهاز استخبارات يرسل طلباً قانونياً يحصل على كل هذا. والحكومات التي لا تُكلّف نفسها الطلب الرسمي لديها طرق أخرى.”

“لكن المحتوى مشفر. أنت قلتِ ذلك.”

“المحتوى مشفر، نعم. لكن البيانات الوليان تكفي. لا تحتاج لقراءة ما قاله منذر لك لتعرف أن ضابطاً في الجيش اتصل بصحفي في براشوف لمدة اثنتين وعشرين دقيقة في وقت متأخر من المساء. هذا وحده يكفي لفتح تحقيق. يكفي لاعتقال.” توقفت لحظة. “يكفي لإحداثيات طائرة مسيّرة.”

صمت في المكتب. صوت المطر على النوافذ والمدفأة الكهربائية تطقطق في الزاوية.

“هناك شيء أعمق أيضاً.” ليان أسندت ظهرها إلى الكرسي. “نموذج أعمال Meta يقوم على بيع الإعلانات الموجّهة. كلما عرفت عنك أكثر، كلما استطاعت بيع إعلانات أغلى. هذا يعني أن كل حافز اقتصادي في الشركة يدفعها لجمع أكبر كمية ممكنة من البيانات عنك. الخصوصية ليست إهمالاً من جانب Meta. هي تناقض جوهري مع نموذج أعمالها. الشركة التي تبني إيراداتها من ملفك التعريفي الإعلاني ليست الشركة التي تحمي حياة مصدرك.”

أغلقت الدفتر.

“WhatsApp يكفي لمحادثة مع أمك عن وصفة طبخ. لا يكفي لمحادثة قد تقتل شخصاً إذا كُشفت.”

طارق نظر إلى هاتفه الموضوع على الطاولة. أيقونة WhatsApp الخضراء تحدّق فيه كعين مألوفة. كم رسالة أرسلها عبرها خلال سنوات؟ كم ملف شاركه مع مصادر؟ كم محادثة كان يظن أنها بين شخصين فقط بينما كانت خوادم Meta تفهرس كل شيء حولها بهدوء؟ أحسّ بشعور غريب. ليس غضباً بل شيئاً أقرب للخجل. كصحفي استقصائي أمضى سنوات يبحث عن المخفي، كان هو نفسه مكشوفاً بالكامل ولم يعرف.

“أنت لست وحدك في هذا.” ليان قالتها كأنها قرأت ما في رأسه. “معظم الصحفيين في العالم يعملون بنفس الطريقة. المشكلة ليست غباءً بل ثقة مُضللة. التطبيق صُمّم ليُشعرك بالأمان. القفل الصغير على الشاشة يفعل عمله بامتياز.”


“ما البديل؟”

ليان فتحت حاسوبها وأدارت الشاشة ناحيته. على الشاشة: موقع بسيط التصميم بخلفية خضراء داكنة. شعار على شكل ثلاثة خطوط أفقية. Threema.

“تطبيق مراسلة سويسري. مستقل. لا ينتمي لأي شركة تقنية كبرى ولا لأي تكتل إعلاني. تأسس عام 2012. فريق صغير. مقرّه في سويسرا، وخوادمه في مركز بيانات حاصل على شهادة ISO 270013 في زيورخ.” لمست الشاشة. “الفرق الجوهري ليس تقنياً فقط. الفرق في نموذج الأعمال. Threema تبيع التطبيق: تدفع ثمنه مرة واحدة، حوالي أربعة يورو، وينتهي الأمر. لا إعلانات. لا ملفات تعريف. لا حاجة لجمع بياناتك لأن بياناتك ليست المنتج. أنت لست المنتج.”

“لكن WhatsApp مجاني.”

“بالضبط. حين يكون المنتج مجانياً، أنت المنتج.” ابتسمت ابتسامة قصيرة بلا مرح. “Threema لا يطلب رقم هاتف عند التسجيل. لا بريد إلكتروني. لا اسم. حين تثبّته، يُولّد لك معرّفاً عشوائياً من ثمانية أحرف. هذا هو هويتك على الشبكة. لا شيء آخر.”

“وكيف يجدني أحد؟”

“تعطيه معرّفك يدوياً. شخصياً. أو عبر قناة آمنة أخرى. ليس عبر دفتر العناوين.” طرقت بإصبعها على الطاولة مرة واحدة للتأكيد. “هذا هو المبدأ: لا معلومات شخصية تُربط بالحساب لأنه لا توجد معلومات شخصية أصلاً.”

فتحت صفحة أخرى على الحاسوب. وثائق تقنية بخطوط أحادية العرض.

“البروتوكول يُسمى Ibex4. استُحدث في أواخر 2022 ليحل محل بروتوكول التشفير القديم بعد أن كشف باحثون من معهد ETH زيورخ ثغرات نظرية فيه. الاستجابة كانت جذرية: بروتوكول جديد بالكامل. يستخدم مكتبة تشفير NaCl، المعروفة أيضاً بـ libsodium. مفاتيح مؤقتة عبر ECDH5 مع سلسلة اشتقاق مفاتيح (KDF ratcheting) تعني أن كل رسالة تُشفَّر بمفتاح مختلف، وكسر مفتاح واحد لا يكشف الرسائل السابقة ولا اللاحقة.” نظرت إليه. “هذه الخاصية تُسمى السرية الأمامية المثالية6. وهي ليست وعداً تسويقياً.”

طارق رفع حاجبيه. “كيف أعرف أنها ليست مجرد ادعاء؟”

“لأنها خضعت لإثبات رياضي رسمي.” ليان أدارت الشاشة قليلاً لتُريه ملف PDF. “ثلاثة باحثين من كرسي التشفير التطبيقي في جامعة إرلانغن-نورنبرغ في ألمانيا أكملوا تحليلاً أمنياً مستقلاً في يوليو 2023. ليس مجرد مراجعة. إثبات رسمي يبرهن رياضياً أن البروتوكول يفي بما يدّعي. أساليب حديثة وبرهان بالخُلف: لو استطاع مهاجم قراءة رسائل Threema، لاستطاع حل مسألة Diffie-Hellman الفجوية في زمن متعدد الحدود، وهذا يُعتبر مستحيلاً حسابياً.”

لاحظت أن طارق فقد الخيط عند “زمن متعدد الحدود”، فبسّطت:

“المعنى العملي: باحثون مستقلون أثبتوا أن كسر التشفير أصعب من حل مسألة رياضية لا يعرف أحد كيف يحلها. هذا ليس كلام تسويقي. هذه ورقة أكاديمية محكّمة.” ثم أضافت: “إضافة إلى ذلك، شركة Cure53 الألمانية، واحدة من أبرز فرق اختبار الاختراق المستقلة في العالم، فحصت تطبيقات Threema على الهواتف في 2020 ولم تجد ثغرة أمنية حقيقية واحدة. وفي يناير 2024 فحصت تطبيق سطح المكتب الجديد. نفس النتيجة: لا ثغرات حرجة.”

نقرت بإصبعها على الشاشة.

“والأهم: مفتوح المصدر بالكامل. ترخيص AGPL-3.07. أي شخص يستطيع قراءة الشفرة المصدرية والتحقق بنفسه. بل يستطيع بناء التطبيق من الشفرة ومقارنته بالنسخة الموجودة في المتجر.”

طارق هزّ رأسه ببطء. “أنا لست مبرمجاً.”

“لا تحتاج أن تكون. لكنك تحتاج أن تعرف أن آخرين فعلوا ذلك ونشروا نتائجهم. الفرق بين ‘ثق بنا’ و’تحقق بنفسك’ هو الفرق بين WhatsApp وThreema.”


“هناك شيء آخر.” ليان أخرجت هاتفها. هاتف أسود بلا غلاف، شاشته نظيفة تماماً. لا إشعارات على الشاشة. لا أيقونات تطبيقات تواصل اجتماعي. “على أندرويد تحديداً، Threema يقدّم خياراً يُسمى Threema Push. معظم تطبيقات المراسلة على أندرويد تستخدم خدمة Google المسماة FCM8 لإيصال الإشعارات. هذا يعني أن Google تعرف متى تتلقى رسالة على أي تطبيق، حتى لو لم تستطع قراءة محتواها. تعرف التوقيت والتردد والمصدر.”

“وThreema Push يتجاوز ذلك؟”

“تماماً. Threema Push يُنشئ اتصالاً مباشراً ومستمراً بخوادم Threema بدلاً من المرور عبر Google. النتيجة: Google لا تعرف حتى أنك تلقيت رسالة. لا تعرف متى. لا تعرف كم.” فتحت الإعدادات على هاتفها وأرته الخيار. “على iOS الوضع مختلف. Apple تفرض استخدام خدمتها APNS9 لكل التطبيقات بلا استثناء. لا يمكن تجاوزها تقنياً. لكن Threema يشفّر الحمولة داخل الإشعار نفسه، فحتى Apple لا تستطيع قراءة المحتوى. تعرف أن إشعاراً وصلك من Threema، لكنها لا تعرف ماذا فيه.”

وضعت هاتفها على الطاولة.

“آخر نقطة مهمة: مستويات التحقق.” ليان رسمت ثلاث دوائر في دفترها. “Threema يُظهر لك نقاطاً ملونة بجانب كل جهة اتصال. أحمر: لا تحقق. أنت لا تعرف إن كان هذا الشخص فعلاً من يدّعي أنه هو. ربما هو. ربما شخص انتحل هويته. برتقالي: تحقق عبر الخادم. الخادم يؤكد أن المعرّف موجود ومربوط برقم هاتف أو بريد إلكتروني، وهذا أفضل لكنه يعتمد على ثقتك بالخادم. أخضر: تحقق عبر مسح رمز QR10 شخصياً. وجهاً لوجه. يداك وهاتفك أمام الشخص الآخر. هذا هو المستوى الوحيد الذي يجب أن تثق به.”

“ومنذر الآن؟”

“لو ثبّت منذر Threema وأعطاك معرّفه، ستكون النقطة حمراء حتى تلتقيا شخصياً وتمسحا رمز QR لبعضكما. لكن حتى باللون الأحمر، التواصل عبر Threema أكثر أماناً بمراحل من مكالمة هاتفية عادية أو WhatsApp.” نظرت إليه، وصوتها هبط درجة واحدة. “المكالمة التي أجراها منذر معك أمس كانت مرئية بالكامل لشركة الاتصالات في تل العقرب. الرقم والمدة والوجهة وموقع البرج الذي اتصل منه. إذا كان أي شخص يراقب سجلاته، وهذا ليس احتمالاً بل يقين بالنظر إلى موقعه في الإدارة اللوجستية العسكرية، فإنهم يعرفون الآن أنه اتصل بمؤسسة إعلامية أجنبية.”

الكلمات ضربت طارق كأنها ماء بارد. ليس لأنها جديدة بل لأنه كان يعرفها بشكل غامض لكنه سمعها الآن بوضوح للمرة الأولى. كأن شخصاً رفع صوت شيء كان يهمس في خلفية ذهنه منذ الليلة الماضية.

“يجب أن ننقل منذر إلى Threema فوراً.”

ليان هزّت رأسها. “نعم. لكن ليس عبر مكالمة هاتفية. ليس عبر WhatsApp. ليس عبر البريد الإلكتروني. أي قناة استخدمتها حتى الآن يجب اعتبارها محترقة.”

“إذاً كيف؟”

“هل يعرف منذر أي شخص في محيطك؟ أحمد مثلاً؟”

“لا. لا أحد. منذر وصل إلى رقم المكتب من موقعنا الإلكتروني.”

ليان فكّرت لحظة. عدّلت حجابها مرة أخرى بينما نظرها يتجول على السقف. ليست نظرة تأمل. كانت تبني مساراً في ذهنها، كأنها ترسم خريطة على سطح غير مرئي. ثم قالت: “حين يتصل بك في المرة القادمة عبر الهاتف الأرضي، ستقول له جملة واحدة فقط: ‘ثبّت تطبيقاً اسمه Threema من المتجر. أرسل لي معرّفك على هذا الرقم.’ ثم تعطيه رقم هاتف أرضي آخر يمكنه الاتصال به. ثم تُغلق.” رسمت خطاً في الهواء بإصبعها. “أقل وقت ممكن على الخط. أقل معلومات ممكنة. هذه آخر مكالمة هاتفية عادية بينكما.”


“الآن، قبل أن نُعدّ Threema لك…”

ليان وقفت ومشت نحو النافذة. نظرت إلى الخارج لعدة ثوانٍ. ليست نظرة تأمل. كانت تتفحص الشارع: السيارات المتوقفة والمواقع التي يمكن للمرء أن يُراقب منها المبنى. واجهة المبنى المقابل بنوافذها العالية. المدخل من الجهة الأخرى. ثم عادت وجلست.

“هناك شيء يجب أن نضبطه قبل أي أداة تقنية.”

“ما هو؟”

“بروتوكول الصمت.”

طارق لم يفهم. “بروتوكول ماذا؟”

ليان فتحت دفترها على صفحة جديدة ورسمت خطاً زمنياً بثلاث علامات.

“فكّر في الأمر هكذا. إذا اعتُقلت أو اختفيت، ما أول شيء ستفعله؟ حدسك سيقول: أرسل رسالة فزع. ‘أنا في خطر. ساعدوني.’ صحيح؟”

“طبيعي.”

“طبيعي وخطير. لأن رسالة الفزع تتطلب وصولاً إلى هاتفك في لحظة الخطر. وفي لحظة الخطر بالتحديد لن يكون هاتفك معك. سيكون مصادراً أو مكسوراً أو في جيب شخص آخر.” نقرت بالقلم على الخط الزمني. “لذلك لن نستخدم إشارة فزع. سنستخدم غيابها.”

عدّلت وضعيتها في الكرسي. صمتت لحظة كأنها تبحث عن الكلمات المناسبة لربط فكرة تقنية بشيء أعمق.

“في الفلسفة اليابانية، هناك مفهوم يُسمى (ما / Ma) يُترجم تقريباً إلى ‘المسافة بين الأشياء’ بالإنجليزية، أو ما يمكن أن نسميه بالعربية الفراغ الدال.” رسمت الحرف الياباني في دفترها بخط واثق، كأنها كتبته مئات المرات. “間 ليس مجرد فراغ. إنه المساحة بين الأشياء التي تعطي الأشياء معناها. الوقفة بين نغمتين موسيقيتين ليست غياب الموسيقى بل جزء منها. الفراغ بين عمودين في معبد ياباني ليس فراغاً بل عنصر معماري مقصود. في فن الخط الياباني، المساحة البيضاء حول الحرف لا تقل أهمية عن الحرف نفسه.” رفعت القلم وتركته معلّقاً فوق الورقة. “الصمت ليس غياب التواصل بل شكل منه. وأحياناً، أبلغ أشكاله.”

نظرت إليه.

“سنبني نظام تواصلنا على الصمت. ليس على الرسائل.”

رسمت ثلاث نقاط على الخط الزمني.

“ثلاث نوافذ تسجيل دخول يومية. الصباح بين الثامنة والتاسعة. الظهيرة بين الواحدة والثانية. المساء بين الثامنة والتاسعة. في كل نافذة، تفتح Threema وترسل كلمة واحدة أو إشارة متفق عليها. لا تحتاج أن تقول شيئاً ذا معنى. فقط تثبت أنك حرّ وأنك تملك وصولاً لهاتفك وأنك تتذكر البروتوكول.”

“وإذا لم أرسل؟”

“إذا فاتتك نافذة واحدة: ربما نسيت. ربما كنت في الحمام. لا شيء يحدث.” رسمت علامة تعجب صغيرة عند النقطة الثانية. “إذا فاتتك نافذتان متتاليتان: إنذار. أبدأ بالتحقق. أتصل بك عبر قناة ثانوية. أتحقق من مصادر أخرى.”

“وإذا فاتتني الثلاث؟”

ليان نظرت إليه بعينين جادتين تماماً. “خطة الطوارئ تبدأ. التي لم نضعها بعد، لكننا سنضعها.” ثم أضافت بصوت أهدأ: “وهذا يشمل إجراءات لا تحتاج أن تعرف تفاصيلها الآن. لكن تحتاج أن تعرف أنها موجودة. فكرة أن شخصاً ما سيبحث عنك إذا اختفيت، هذه الفكرة وحدها طبقة حماية. ليست تقنية. بل نفسية. حين تعرف أن غيابك لن يمرّ بلا ملاحظة، تتصرف بثقة مختلفة. والثقة تغيّر الطريقة التي تتحرك بها في العالم.”

صمت في المكتب. ثم قالت بصوت أخفض:

“الفكرة بسيطة: غياب الإشارة هو الإشارة. لن نرسل رسالة فزع لأن الفزع ضوضاء. الضوضاء يمكن تزييفها. يمكن أن يُجبروك على إرسال رسالة تقول ‘أنا بخير.’ لكنهم لا يستطيعون إجبارك على إرسال إشارة لا يعرفون بوجودها في نظام لا يعرفون أنه موجود. وإذا لم ترسلها، غيابها يصرخ بصوت أعلى من أي رسالة.”

طارق نظر إلى الخط الزمني في دفترها. ثلاث نقاط في اليوم. نظام بسيط بشكل مخادع. لكنه فهم المنطق: حين تُبنى قناة التواصل على الحضور المنتظم، يصبح الغياب نفسه رسالة لا يمكن اعتراضها لأنها لا تُرسل. مفهوم 間 (الفراغ الدال) ليس فلسفة مجردة. إنه بروتوكول أمني.

“هذا ينطبق عليّ وعلى منذر؟”

“عليك الآن. على منذر لاحقاً حين نضبط قناته. وعلى أي شخص آخر ينضم إلى هذا.” قالت ذلك بنبرة تُلمّح إلى أنها تتوقع أن الأمر سيكبر.


إعداد Threema
#

ليان أخذت هاتف طارق. نظرت إليه لحظة بتعبير لم يستطع تفسيره تماماً. شيء بين الشفقة والانزعاج المهني. كأنها ممرضة رأت جرحاً مفتوحاً وأحصت في ثانية كل ما يجب إصلاحه.

“أندرويد. جيد. أسهل.”

إعداد Threema على أندرويد

الخطوة 1: التثبيت ثلاثة خيارات:

  • Google Play Store: الأسهل. ادفع ثمن التطبيق (حوالي 4 يورو / 3.50 دولار).
  • Threema Shop (shop.threema.ch): شراء مباشر من موقع Threema بدون Google. يقبل الدفع بـ Bitcoin. هذا يعني أن Google لا تعرف أنك اشتريت التطبيق.
  • F-Droid: نسخة Threema Libre مفتوحة المصدر بالكامل. بلا أي مكوّنات Google إطلاقاً. مناسبة لمن يريد استقلالاً تاماً عن Google.

الخطوة 2: إنشاء الهوية لا رقم هاتف مطلوب. لا بريد إلكتروني. التطبيق يطلب منك تحريك إصبعك عشوائياً على الشاشة لتوليد عشوائية تشفيرية (entropy). ثم يُولّد معرّف Threema ID عشوائياً من 8 أحرف (مثل: A7X2KP4M). هذا هو هويتك. يُولَّد أيضاً زوج مفاتيح: عام يُرسل إلى خادم Threema، وخاص يبقى على جهازك فقط.

الخطوة 3: تفعيل Threema Push (مهم على أندرويد) الإعدادات ← حول Threema ← Threema Push ← تفعيل. هذا يحل محل Google FCM ويمنع Google من معرفة أنك تتلقى رسائل. على iOS: لا يوجد بديل لـ APNS، لكن Threema يشفّر الحمولة داخل الإشعار.

الخطوة 4: إعداد رمز القفل الإعدادات ← الأمان ← رمز القفل. استخدم رمزاً مختلفاً عن رمز قفل الهاتف. هذا يضيف طبقة حماية لو فتح شخص ما هاتفك.

الخطوة 5: التحقق من جهة الاتصال مستويات التحقق:

  • 🔴 أحمر: لا تحقق. هوية غير مؤكدة.
  • 🟠 برتقالي: تحقق عبر الخادم. أفضل لكن ليس كافياً.
  • 🟢 أخضر: تحقق عبر مسح QR شخصياً. الوحيد الموثوق.

لتحقيق المستوى الأخضر: التقِ بالشخص وجهاً لوجه ← افتح ملفه في Threema ← “مسح رمز QR” ← وجّه الكاميرا إلى شاشته. المفتاح العام لجهة الاتصال مضمّن في رمز QR، والمسح الشخصي يمنع هجمات انتحال الهوية (Man-in-the-Middle).

ثبّتت Threema على هاتفه. اختارت Threema Shop لتتجنب ربط الشراء بحساب Google. دفعت هي ببطاقة مسبقة الدفع أخرجتها من حافظة صغيرة في حقيبتها. لم تسأله إن كان يريد أن يدفع. لم يعترض. أدرك لاحقاً أنها لم تستخدم بطاقة ائتمان شخصية. بطاقة مسبقة الدفع تعني لا اسم مرتبط بالمعاملة. حتى الدفع كان جزءاً من المنظومة.

بينما كان التطبيق يُحمَّل عبر شبكة Wi-Fi المكتبية، نظرت إلى إعدادات هاتفه بسرعة. لاحظ أنها فحصت قائمة التطبيقات المثبتة وإعدادات الشبكة وحالة التحديثات. لم تعلّق على شيء، لكنه رأى شفتيها تنضغطان قليلاً عند نقطة ما. ربما عدد التطبيقات التي تملك إذن الوصول إلى الميكروفون. ربما شيء آخر.

“الآن، أعطني هاتفك لثانية.”

أخذته وفتحت Threema على هاتفها ومسحت رمز QR الخاص بها من شاشة هاتفه. ظهرت ثلاث نقاط خضراء بجانب اسمها. ثم فعلت العكس: فتحت Threema على هاتفه ومسحت رمز QR من شاشة هاتفها. العملية استغرقت أقل من عشر ثوانٍ. بسيطة بشكل مخادع.

“الآن أنا موثّقة عندك وأنت موثّق عندي. المستوى الأخضر. هذا لا يمكن تزويره عن بُعد لأنه يتطلب وجوداً فيزيائياً في نفس الغرفة في نفس اللحظة. لا خادم في العالم يستطيع أن يمنحك هذا المستوى. لا حكومة تستطيع أن تنتحله.” ابتسمت ابتسامة قصيرة. أول ابتسامة حقيقية منذ دخلت المكتب. “أول اتصال حقيقي آمن لك.”

أعادت الهاتف إليه.


“سؤال أخير.” طارق نظر إلى شاشة Threema. واجهة بسيطة. رمادي وأخضر. لا شبه بالفوضى البصرية لـ WhatsApp. “ما الذي لا يستطيع Threema فعله؟”

ليان توقفت عن ترتيب حقيبتها ونظرت إليه. كان واضحاً أن السؤال أعجبها. شخص يسأل عن الحدود، لا عن القدرات فقط.

“سؤال ممتاز. والإجابة مهمة بقدر كل ما قلته حتى الآن.” أسندت ظهرها إلى الكرسي. “أولاً: Threema لا يخفي أنك متصل بخوادم Threema. مزوّد الإنترنت يرى أن جهازك يتواصل مع عناوين IP تابعة لـ Threema في سويسرا. لا يستطيع قراءة المحتوى لكنه يعرف أنك تستخدم التطبيق. في بلد يُراقب حركة الإنترنت بالكامل…”

“مثل تل العقرب.”

“مثل تل العقرب. إذا قرر أحد أن استخدام تطبيق مشفر بحد ذاته مريب، فإن Threema لا يحميك من هذا الشك. يحمي محتوى كلامك فقط، لا حقيقة أنك تتكلم.” جمعت أغراضها ببطء. “ثانياً، ولا يحمي من جهاز مخترق. إذا كان هاتفك مصاباً ببرنامج تجسس يقرأ الشاشة مباشرة، فإن التشفير لا قيمة له. البرنامج يقرأ الرسالة بعد فك تشفيرها على شاشتك. التشفير يحمي الرسالة في الطريق، لا بعد وصولها.” نظرت إليه بعينين لا تخفيان شيئاً. “سنتحدث عن هذا لاحقاً. لكن تذكّر: Threema طبقة واحدة في منظومة. ليس المنظومة كلها.”

وقفت وحملت حقيبتيها. ثم توقفت كأنها تذكرت شيئاً.

“شيء أخير. بروتوكول الصمت يبدأ الآن. أول نافذة: الثامنة مساءً اليوم. كلمة واحدة متفق عليها.” نظرت إليه. “ما الكلمة التي تريد استخدامها؟”

فكّر طارق لحظة. “شمس.”

“شمس.” كررتها ليان. كأنها تختبر الكلمة على لسانها. “إذا لم أتلقَّ ‘شمس’ في نافذتين متتاليتين، أبدأ بالتحقق. في ثلاث: الخطة تبدأ.” مدّت يدها نحو مقبض الباب ثم التفتت. “وطارق.”

“نعم؟”

“غيّر كلمة مرور بريدك الآن. ليس غداً. ليس بعد ساعة. الآن. واحدة طويلة لا تشبه أي كلمة مرور استخدمتها من قبل. هذا لا يحل المشكلة الجذرية لكنه يشتري وقتاً.” ثم أضافت بنبرة أكثر هدوءاً: “وسنتحدث غداً عن بديل حقيقي لـ Gmail.”

ثم خرجت. قبل أن يُغلق الباب، رآها تتوقف في الممر وتنظر في الاتجاهين. ليست نظرة شخص يبحث عن المصعد. نظرة شخص يتحقق من أن الممر فارغ وأن لا أحد يُراقب من أعلى الدرج أو من خلف الباب المجاور. ثم همست شيئاً لنفسها لم يسمعه. كلمة واحدة ربما. بسملة أو دعاء. شيء بينها وبين الله لا علاقة للتشفير به.

ثم اختفت في الدرج.

طارق وقف في المكتب وحده. الصمت بعد رحيلها كان مختلفاً عن الصمت الذي كان فيه قبل وصولها. قبل ساعتين كان الصمت فراغاً. الآن كان بنية. كأن الهواء في الغرفة أعيد ترتيبه.

نظر إلى شاشة Threema على هاتفه. جهة اتصال واحدة. ثلاث نقاط خضراء. اسم: ليان. لا صورة شخصية. لا رسالة حالة. لا شيء إلا المعرّف والنقاط الخضراء.

ثم فعل ما أمرته به. فتح Gmail على حاسوبه وغيّر كلمة المرور فوراً. واحدة طويلة لا تشبه أي كلمة استخدمها من قبل. كتبها على ورقة ووضعها في محفظته. ليس الحل المثالي، وهو يعرف ذلك. لكنه أفضل من “Jibreel2019” التي كانت تحمي كل شيء حتى الآن. حين نظر إلى الجلسات النشطة، لم تكن الجلسة المجهولة موجودة بعد. إما أن المخترق انسحب بعد أن وجد ما يريد، أو أن تغيير كلمة المرور أنهى الجلسة. في كلتا الحالتين، كان يعرف الآن أن هذا لا يكفي. ليان قالتها بوضوح: المشكلة ليست كلمة المرور. المشكلة أن Gmail نفسه مكشوف.

الساعة الثامنة مساءً جاءت أسرع مما توقع. نظر إلى هاتفه. فتح Threema. كتب كلمة واحدة في محادثة ليان:

“شمس.”

بعد أربع ثوانٍ، ظهرت علامتان زرقاوان: وُصلت وقُرئت. لا ردّ. لا تعليق. لا إيموجي.

間. الفراغ الدال. الصمت الذي يعني أن كل شيء على ما يرام.

نام تلك الليلة لأول مرة منذ مكالمة منذر. ليس نوماً عميقاً. لكنه نوم.


● ● ●
#


في تل العقرب، كان نديم يتناول غداءه وحيداً في مكتبه. المكتب بلا نوافذ. اختياره هو، لا إجبار. النوافذ مشتتات. الضوء الطبيعي يتغير مع الساعات ويخلق إيقاعاً زمنياً لا يحتاجه. ضوء النيون الثابت أفضل. لا فجر ولا غروب. فقط عمل.

صحن واحد: أرز ودجاج مشوي وسلطة. نفس الوجبة كل يوم تقريباً. لم يكن يأكل للمتعة بل للوقود. البروتين والكربوهيدرات والألياف بنسب يحسبها في ذهنه بلا وعي، كما يحسب كل شيء آخر في حياته. يمضغ ببطء ويقرأ في الوقت نفسه. قدرته على القيام بالأمرين معاً بدون أن يفقد تركيزه في أيّ منهما كانت واحدة من الأشياء القليلة التي يفتخر بها سراً.

على شاشته: تقرير المراقبة الثالث لمنذر سالم.

لا تغيير في السلوك. لا اتصالات دولية جديدة بعد المكالمة الأولى. استخدام WhatsApp عادي: رسائل لأمه وأخيه. صورة طعام أرسلها لصديق. نكتة في مجموعة عمل. مشاهدة فيديوهات على يوتيوب: مباريات كرة قدم قديمة ومراجعات هواتف.

نديم أخذ لقمة أرز وقرأ السطر الأخير في التقرير:

“ملاحظة: الهدف لم يُظهر أي إجراء أمني. لم يحذف سجل مكالمات. لم يُثبّت أي تطبيق تشفير. لم يُغيّر إعدادات الهاتف. لم يبحث عن مواضيع أمنية عبر المتصفح.”

وضع الشوكة جانباً ودوّن في دفتره بخط صغير منتظم: “لا وعي أمني. إما أن المكالمة بريئة، أو أنه لا يعرف أنه مُراقب. في كلتا الحالتين: لا تدخل. انتظر المحفّز الثاني.”

ثم كتب سطراً إضافياً: “شمس ميديا، براشوف. تحقق.”

لم يحتج لأكثر من هذا. في عمل نديم، الملاحظات القصيرة أفضل من التقارير الطويلة. الكلمات الكثيرة تخلق أنماطاً زائفة وتُغري العقل بربط ما لا يجب ربطه. ثلاث كلمات تكفي: الاسم والمكان والفعل المطلوب. الباقي يأتي بالصبر.

أغلق الدفتر. أكمل غداءه.

في مكان ما في دماغ نديم، بدأ خيط رفيع يتشكل. ليس دليلاً بعد. ليس حتى شبهة محددة. فقط نمط يخرج عن المألوف: ضابط لوجستيات بسجل نظيف تماماً يتصل بصحفي أجنبي في مؤسسة صغيرة في رومانيا لمدة اثنتين وعشرين دقيقة ثم يعود لحياته الطبيعية كأن شيئاً لم يحدث. يرسل صورة طعام لصديقه. يشاهد مباراة قديمة. يشتري حذاءً رياضياً من متجر إلكتروني.

إما أنه لا يعرف أن ما فعله خطير.

أو أنه يعرف ولا يهمه.

نديم كان يعرف أن النوع الثاني أخطر بكثير. لكنه كان يعرف أيضاً أن النوع الأول أسهل بكثير في التعامل معه. الجاهل يُمسك بأخطائه. الشجاع يُمسك بصبره.

في كلتا الحالتين: الصبر هو السلاح الصحيح. نديم كان صبوراً كحجر.

أنهى غداءه. غسل يديه في الحوض الصغير خلف مكتبه. جفّفهما بمنديل ورقي ورماه في سلة المهملات بحركة واحدة نظيفة.

ثم عاد إلى شاشته وفتح نافذة بحث جديدة. كتب: “شمس ميديا، براشوف، رومانيا.”

النتائج ظهرت خلال ثوانٍ. موقع بسيط. ثلاثة أسماء في صفحة “من نحن”. تحقيقات صغيرة عن فساد محلي في رومانيا. لا شيء يوحي بأن هذه المؤسسة قادرة على إثارة قلق أي جهاز استخبارات. لكن نديم تعلّم منذ سنوات أن الحجم لا يعني شيئاً. الخطر لا يأتي من المؤسسات الكبيرة التي تملك محامين وفرق أمان ومديري أزمات. يأتي من صحفي واحد في مكتب صغير، صحفي لا يملك شيئاً يخسره وسؤالاً واحداً لا يستطيع أن يتوقف عن طرحه.

سجّل الأسماء الثلاثة في دفتره. ثم أغلق الشاشة.

الخيط الرفيع في ذهنه بدأ يتحول إلى سؤال. والسؤال، في عمل نديم، كان دائماً بداية كل شيء.


نهاية الفصل الثاني


حواشي
#


  1. Metadata (البيانات الوليان): بيانات “عن” البيانات. في سياق الاتصالات: ليست محتوى الرسالة بل المعلومات المحيطة بها، مثل من أرسلها ولمن ومتى ومن أين وبأي جهاز. أثبتت دراسات أكاديمية متعددة أن البيانات الوليان وحدها تكفي لبناء صورة شبه كاملة عن حياة الشخص وعلاقاته وتحركاته. ↩︎

  2. IP: Internet Protocol Address (عنوان بروتوكول الإنترنت): رقم فريد يُخصَّص لكل جهاز متصل بالإنترنت. يكشف الموقع الجغرافي التقريبي ومزوّد الخدمة. كل خدمة تتصل بها تسجّل عنوان IP الخاص بك. ↩︎

  3. ISO 27001: معيار دولي لإدارة أمن المعلومات، يصدر عن المنظمة الدولية للمعايير (ISO). الحصول عليه يعني أن مركز البيانات يخضع لمراجعات دورية مستقلة تشمل التحكم في الوصول الفيزيائي والمراقبة المستمرة وتقييم المخاطر والتشفير وإجراءات الاستجابة للحوادث. ↩︎

  4. Ibex (بروتوكول آيبكس): بروتوكول التشفير الخاص بـ Threema، أُطلق في ديسمبر 2022. يستخدم مكتبة NaCl/libsodium ويوفر سرية أمامية مثالية (PFS) عبر تبادل مفاتيح مؤقتة (ECDH) وسلسلة اشتقاق مفاتيح (KDF ratcheting). خضع لإثبات أمني رسمي من جامعة إرلانغن-نورنبرغ في يوليو 2023. ↩︎

  5. ECDH: Elliptic Curve Diffie-Hellman (تبادل مفاتيح ديفي-هيلمان بالمنحنيات الإهليلجية): بروتوكول يسمح لطرفين بالاتفاق على مفتاح تشفير مشترك عبر قناة غير آمنة، بدون أن يُرسل أيّ منهما المفتاح الفعلي. يعتمد على صعوبة مسألة اللوغاريتم المتقطع على المنحنيات الإهليلجية. ↩︎

  6. PFS: Perfect Forward Secrecy (السرية الأمامية المثالية): خاصية تشفيرية تضمن أنه حتى لو كُشف المفتاح الحالي لجلسة ما، فإن جميع الرسائل السابقة تظل آمنة لأن كل رسالة استخدمت مفتاحاً مؤقتاً مختلفاً تم حذفه بعد الاستخدام. ↩︎

  7. AGPL-3.0: Affero General Public License (رخصة أفيرو العامة، الإصدار الثالث): ترخيص مفتوح المصدر يفرض على أي جهة تستخدم الشفرة المصدرية أو تعدّلها أن تنشر تعديلاتها بنفس الترخيص. يضمن الشفافية ويمنع التعديل السري: لا يمكن لأحد إضافة باب خلفي دون أن يظهر في الشفرة المنشورة. ↩︎

  8. FCM: Firebase Cloud Messaging (خدمة رسائل Firebase السحابية): خدمة من Google لإيصال الإشعارات إلى تطبيقات أندرويد. حين يستخدمها تطبيق ما، Google تعرف متى يتلقى المستخدم إشعاراً من هذا التطبيق وبأي تردد، حتى لو لم تستطع قراءة محتواه. ↩︎

  9. APNS: Apple Push Notification Service (خدمة إشعارات Apple): المعادل لـ FCM على أجهزة Apple. كل إشعار على iPhone أو iPad يمر عبر خوادم Apple. لا يمكن لأي تطبيق على iOS تجاوز هذه الخدمة. Threema يتعامل مع هذا القيد بتشفير محتوى الإشعار نفسه. ↩︎

  10. QR Code: Quick Response Code (رمز الاستجابة السريعة): رمز ثنائي الأبعاد يُمسح بكاميرا الهاتف. في Threema، يحتوي رمز QR على المفتاح العام لجهة الاتصال. مسحه شخصياً (وجهاً لوجه) يُثبت بشكل قاطع أن الشخص أمامك يملك فعلاً هذا المعرّف والمفتاح المرتبط به، ويمنع هجمات الرجل في المنتصف (Man-in-the-Middle). ↩︎